قصة ورواية

الجاثوم

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
شوفت جثمانها طالع من وسط النار والرماد مالوش أي ملامح، شايلينها على بطانية وجسمها كله بقا عبارة عن سواد، لحم بشري اتغذت عليه النار حتى النهاية، لحم أمي..
ومن حوليا كان واقف العشرات من الناس بيحوقلوا بحُزن وشفقة على حال الشقة اللي اتحرقت بالكامل وخدت معاها الست فوزية رحمة الله عليها..
كل ده بيحصل حوليا وانا واقفة بعيون زايغة، مش مصدقة لحد اللحظة دي ان الشقة اللي اتحرقت دي شقتنا، وان الجثة المحروقة اللي طالعة دي تبقا جثة أمي، لحد ما شوفت السلسلة في رقبتها، السلسلة اللي كنت جيباها هدية ليها، وقتها بس وقعت على الأرض..
صرخت بأعلى صوتي لحد ما اتقطع
شقيت هدومي كلها وشلت التراب وحطيته على راسي..
الكل كان بيحاول يمسكني، يهدوني، يفكروني بالله وبالصبر، بس واحدة زيي مش هتنجح في الاختبار ده، لأنه اختبار صعب، صعب أوي..
وفضلت تلت أيام تايهة وفاقدة الادراك تماما، حتى لما شالوا الجثمان على الخشبة كنت مبتسمة كأني فقدت الوعي تماما، واتدفنت أمي، واتحرقت الشقة، ولقيت نفسي بعد أيام لوحدي في شقة محترقة بالكامل، الشابة اللي كملت ٣٠ سنة ولسة متجوزتش دلوقتي بقت مطالبة تحارب الحياة كلها لوحدها، وتترمي في الشوارع عشان تعرف الدنيا على حقيقتها..
بس في نفس اليوم كانت اختي أسماء معايا ومعاها جوزها وبنتها منة، وخدوني معاهم عشان أعيش معاهم الفترة دي لحد ما ربنا يسهل ونشوف الأمور هتمشي ازاي، وانا مكنتش هرفض، ومينفعش أرفض، مانا لو معشتش معاهم أكيد مش هفضل في شقة محروقة امي اتحرقت فيها..
ووصلت شقتهم وسط ترحيب كبير ومواساة من جوزها الدكتور صبري وتذكير بأقدار الله والصبر على البلاء وكل الكلام ده..
في النهاية استقريت في غرفة جمب غرفة منة وقصادنا كانت غرفة اسماء وجوزها، وبدأت حياتي الجديدة هادية جدا، خاصة انهم نوعا ما قدروا يخرجوني من حالتي النفسية الصعبة بكام خروجة للنادي واسبوع مصيف خلاني شبه رجعت من تاني لنفسي المتزنة والهادية..
خاصة لما بدأت انسجم معاهم ومع حياتهم المرفهة نوعا ما وتستقر الحياة اكتر واكتر، وبالأخص لأن الدكتور صبري زوج اختي كان راجل خمسيني ومهذب جدا وبيعتبرني أخته الصغيرة مش مجرد اخت مراته، وبما اني كمان قريبة من عمر منة بنته اللي في اواخر العشرينات، منة اللي صاحبتها اكتر وبقت علاقة ما بين اتنين صحاب مش مجرد خالة وبنت اختها..
واستمر الحال تقريبا لمدة شهر كامل، صبري بينزل الصيدلية بتاعته ويرجع بالليل عشان نتغدى ويدخل ينام هو واسماء ونسهر انا ومنة شوية وبعدها كل واحد يدخل الاوضة بتاعته..
لحد ما جت ليلة كانت من اسوأ الليالي اللي ممكن تمر عليا، اتغدينا على بعد المغرب وشربنا الشاي في طقس ثابت ومقدس في الأسرة وبعدها كل شخص دخل اوضته عشان يرتاح شوية..
دخلت اوضتي وكنت ناوية أسهر شوية بس حسيت بصداع وارهاق بدني فظيع، ارهاق خلاني اترمي على السرير وكأني كنت بشتغل لأيام طويلة متواصلة، بس مسافة ما نمت حسيت بجسمي بيتكتف تماما كأن فيه جبل كامل على صدري..
الحالة دي انا عرفاها كويس، الحالة دي بيقال عنها انها الجاثوم، بس ده جاثوم مرعب اوي، بتحس ان جسمك كله متخدر تماما، إلا عنيك هي اللي مفتوحة وشايفة الاوضة كلها بكل تفاصيلها..
احساس بشع، حاولت اتحرر منه بأي طريقة مقدرتش، حاولت مرة واتنين وتلاتة بس كان الوضع صعب جدا، ووسط شلل الجسد المرعب ده شوفت بعنيا باب الاوضة بيتفتح بهدوء شديد جدا، مقبض الباب بيتحرك، والباب بيكشف عن الشخص اللي بيفتحه بهدوء تام..
ركزت في ملامحه بس الضوء كان قليل اوي، مشوفتش غير ظل اسود دخل بهدوء تام لحد ما وقف قدام سريري، وقتها بص في عنيا وبصيت في عنيه، وش أمي، ايوة وش امي بس بوجه محترق بشع، عنيا جحظت جحوظ الأموات، حاولت اشهق مقدرتش، حاولت ابكي مقدرتش، وهي اول ما شافت عنيا مفتوحة وشايفاها تراجعت بسرعة وخرجت من باب الاوضة..
بس الجاثوم فضل مستمر، وفضلت وقت طويل حاسة زي اللي مقيدة بسلاسل من حديد، لحد ما جسمي نوعا ما بدأ يفك ويهدى، وصحيت مكاني أبكي وافرغ كل انفعالاتي كلها على هيئة سيول من الدموع..
خرجت عادي وحاولت اتمالك نفسي عشان محدش يلاحظ حاجة، يمكن مجرد كابوس وهينتهي، وعدى اليوم هادي جدا بس جسمي فضل يترعش كل ما يفتكر تفاصيل الحلم البشع ده..
لحد ما رجع الدكتور من صيدليته واتغدينا وشربنا الشاي ودخلنا من تاني كل واحد مكانه، مسكت كتاب حاولت اقرأ فيه شوية بس مقدرتش من الصداع والارهاق اللي مسكني من تاني، حاولت اقاوم عشان ميتكررش اللي حصل امبارح بس مقدرتش، وكل حاجة اتكررت من تاني بالتفصيل، بس مع تطور اسوأ واسوأ..
جاثوم، جاثوم رهيب مسك جسمي كله من تاني، عنيا بس اللي كانت مفتوحة، عنيا اللي كانت جاحظة وبتراقب باب الاوضة اللي بدأ يتفتح من تاني بهدوء شديد..
كنت حاسة بفزع مالوش مثيل، فزع اللي بيحصله موقف مخيف ومعندوش حتى القدرة يصرخ ولو صرخة واحدة، كل صرخاتي خرجت جوايا، وكل استغاثاتي متخطتش لساني، كأنها سكرات الموت لشخص عاصي..
روحه بتنازع وبيتألم ألم رهيب بس مبيقدرش يهمس بنص كلمة، مجرد نظرات من عيون جاحظة بكل ألم الكون..
وظهرت من تاني، وجه أمي البشع، وقفت قدامي تبص في عنيا بثبات رهيب، ثبات خلى قلبي يدق بفزع، أنفاسي بدأت تخرج مني بصوت نزوع الروح، بس جسمي رفض يتحرك ولو حركة واحدة بس..
وقتها بدأ الكيان البشع ده يقرب مني، وبدأ يتحسس جسمي بتردد غريب، كأنه بيقيس ردة فعلي، بس انا كنت مشلولة، دموعي بتسيل في صمت غريب، ولما فضلت على حالي بدأ يتمادى اكتر ويلمس جسمي من كل مكان تقريبا، لحظات عصيبة، مرعبة، لحظات تشيب الشعر، خاصة من ملمس الإيد الباردة المخيفة دي، في اللحظة دي تراجع بهدوء وخرج من الاوضة..
وصحيت تاني يوم ببكي بصمت، حاسة برعب رهيب ماسك في كياني كله، وكملت اليوم ما بين بكاء وصمت وشوية واسمع قرآن..
وجت اللحظة الأصعب لما اتغدينا وشربنا الشاي ودخلت الاوضة، حاولت انادي منة تنام معايا انهاردة بس كانت بتحضر ماجيستير وبتذاكر، ومكنش ينفع تقعد معايا، وكل اللي حصل اتكرر تاني..
صداع، ارهاق، شلل رهيب، ووجه أمي البشع مع كيان رهيب بيتحسس جسمي بنهم رهيب، وكان الهول لما بدأ ينزع عني لباسي ويكشف جسمي قدامه، انا كنت في اسوأ كابوس ممكن يمر على شخص حي، انا كنت بعمل علاقة مع شيطان رهيب..
خاصة لما تمادى وبدأ يعتدي عليا اعتداء كامل، اعتداء جنسي صريح، فج، انتهى بعد اغماء كامل مني، وصحيت من نومي، صحيت وجسمي كله علامات عنيفة، علامات بتقول ان كل اللي حصل كان حقيقي تماما، حقيقي بدرجة كبيرة..
في الليلة الجديدة دخلت اخود دش عشان منامش، بس الارهاق بدأ يغزوني، والصداع، خرجت اجري من الاوضة، دخلت اوضة المكتبة الصغيرة بدور على دكتور صبري، يمكن معاه أي حاجة منشطة للذهن بما انه صيدلي وبيفهم، دخلت المكتبة
و
و
وشوفت وجه مطاطي بشع، على شكل وجه امي بس محترق على الكرسي، مسكته بذهول وانا مش فاهمة ولا كلمة، في اللحظة دي حسيت بيه ورايا، بصيت برعب لقيت جوز اختي واقف مبتسم، وقبل ما اهجم عليه من الصدمة كان الشلل مسك جسمي من تاني، ووقعت قدامه لا حول ليا ولا قوة..
بصلي بابتسامة شرسة، رهيبة، لبس الماسك قدام عيوني المذهولة ورجع قلعه تاني، وبدون أي رحمة اعتدى عليا من تاني اعتداء كامل بدون أي شفقة أو رحمة..
وبعدها بدأ يتكلم، بيتكلم وانا سمعاه بس مشلولة تماما، بيتكلم بصوت عكس صوته الودود اللي اتعودت عليه تماما..
– لو نطقتي بكلمة واحدة هوديكي في ستين داهية
وبدأ يضحك، يضحك بصوت عالي، بعدها كمل كلامه وقال:
– طبعا هتموتي وتعرفي ده حصل ازاي، ببساطة انا راجل صيدلي، وعندنا عقار ممنوع وسط اوساط الكيميائيين قليل بس اللي يعرفه، عقار بيشل الجسم لست ساعات متواصلين، بيخلي الاجزاء الحيوية تقف تماما، بس الادراك شغال، وبما ان امك ماتت فقولت نجبها من سكة الجن، وعملت ماسك لذيد وحطيتلك جرعات في الشاي وخدت منك اللي انا عاوزه، بما انك عانس وملكيش أي لازمة او قيمة في الحياة
وشفته بيمسك موبايله. بيصورني عريانة تماما وبيبتسم، بعدها فضل سهران جمبي لحد الفجر، وبعد الفجر بدأ جسمي يرجع لطبيعته واقدر اتحرك،. لما لاحظ ده بدأ يزعق بصوت قاسي
– احترمي نفسك يا قذرة
ومع صوته العالي صحيت اختي وبنتها، شافوني شبه عريانة وهو بيزعق ومتعصب، قالهم
– القذرة جاية المكتبة وانا سهران بعمل بحث عشان تعمل معايا حاجة قذرة
كنت مصدومة، مبنطقش، اختي شتمتني بأبشع الألفاظ، لامت نفسها انا لمت واحدة زيي من الشوارع، واحدة مفيش خطوبة بتكمل معاها لأنها حقودة ومتستحقش العشرة..
ومنة اعتدت عليا جسديا وطردوني برة البيت كله، طردوني ورمولي اللبس على السلم، وهددوني لو رجعت هيحبسوني، خرجت من البيت مقهورة، بتمنى الموت، بتمنى الهلاك..
و
وشوفت قدام عنيا مشهد واحد بس، مشهد قديم، قديم اوووووي..
مسكت موبايلي وانا بترعش وفتحت محادثات الماسنجر، بحثت بصوابع مرتعشة
“نهى أحمد”
وظهرت، ظهرت اخر رسالتين اللي اتبعتوا من سنين طويلة..
“ابوس ايدك اشهدي بالحق، الموضوع مبقاش فصل من الكلية، الناس كلها عرفوا هنا وامي بتموت، بالله عليكي حياتي بتدمر”
بعد اسبوع رسالة تانية
“أمي ماتت، أمي ماتت بسببك ربنا ينتقم منك بأبشع طريقة”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……….
من كام سنة وانا في الكلية طلعت انا وصاحبتي نهى لدكتور القسم عشان مشكلة ما، انا اتأخرت شوية ونهى دخلتله على طول، لما دخلت بعدها عليهم فوجئت بالدكتور بيعتدي على نهى وهي بتبكي ومصدومة صدمة رهيبة..
كانت بنت قمة في الخُلق والأدب، ومع الصدمة كانت بتبكي وتترعش، لما انا فتحت الباب الدكتور اتخض وهي خرجت تبكي وتعيط، وقتها الدكتور هددني لو قولت حاجة هيشيلني السنة كلها ويعمل فيا محضر..
وقتها أمن الكلية جه لما شافوا نهى منهارة واستدعوا الدكتور اللي شهد ان نهى هي اللي كانت بتحاول تقرب منه عشان ينجحها، ولما طلبوا شهادتي ومن خوفي من الدكتور ومن السقوط شهدت ان نهى هي اللي بعدتني عشان تدخل لوحدها وتغوي الدكتور تعمل معاه علاقة عشان ينجحها..
يومها شوفت في عيون نهى نظرة ذهول وقهر مش نسياها لحد انهاردة، بعدها وصلتني رسايل منها، بتترجاني اشهد بالحق لأنها اتفضحت في بلدهم وامها مريضة قلب وهتموت لو عرفت عنها كدا..
بس انا تجاهلتها، ولما خدت نصيحة أمي قالتلي معملش عداوة مع الدكتور واسكت على كدا، في النهاية أم نهى ماتت، ونهى وقعت في فضيحة كبيرة..
بس عين الله لا تنام..
أمي اللي شجعتني على الباطل ماتت محروقة
انا اللي شهدت بالباطل اتفضحت وسط محيط قرايبنا كله وجوز اختي كان مريض ونزل صوري عريانة على النت وبقيت منبوذة من الدنيا كلها، غير موت أمي البشع وفسخ اكتر من ٦ خطوبات لأسباب غير مفهومة..
الدكتور نفسه اللي اعتدى على نهى من سنتين عمل حادثة رهيبة وطلع بث مباشر وهو على فراش الموت يعتذر لنهى ويطلب منها السماح قبل موته، لأن لعنتها بتطارده في حياته كلها، ومات بعدها بتمزق كامل في صدره..
كل ده حصل انتقاما من الله للبنت الطاهرة اللي اسمها نهى، كتبتلها بأصابع مرتعشة كلمتين وبس
“سامحيني يا نهى”
بعد خمس دقايق جالي الرد، جالي رد صعب قوي
” أكيد بتكلميني لأن ربنا انتقم ليا منك، سبحان المنتقم رب السماوات، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله”
“ابوس ايدك سامحيني، امي ماتت، وانا اتفضحت واتطردت”
“وانا لما أمي ماتت مرحمتيناش ليه”
“طول عمرك احسن مني وقلبك ابيض، اعمليها لوجه الله”
“للأسف غصب عني مع الوقت هسامحك لوجه الله لأني مبقدرش أشيل من حد ومبعرفش أعبد ربنا وانا بكره حد، وربنا يتولاكي”
وقفلت، قفلت عشان اعرف ان جتلها منحة من سنين برة مصر وحاليا متزوجة وعايشة برة وبتدرس في جامعة عربية، قفلت بعد ما الدكتور مات وبرأها قدام مصر كلها بس هي كانت هاجرت، قفلت بعد ما ربنا انتقملها انتقام عادل..
وقتها بس عرفت يعني ايه” ألا وقول الزور” عرفت انك لو هتموت والسيف على رقبتك اياك تقول الا كلمة الحق حتى لو على أقرب الناس ليك، لأن كلمة الحق هتنجيك دنيا وأخرة، وكلمة زور هتدمر حياتك وهتصعب خروج روحك وهتدمر آخرتك، وانت واختيارك..
“فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” شهادة الزور من الكبائر والعياذ بالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content selection is disabled!!
%d مدونون معجبون بهذه: