قصة ورواية

حسن الكوري

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
انهاردة كنا في المقابر بندفن والد أعز صديق ليا بعد صراع طويل مع المرض، راجل طيب ومحترم والبلد كلها بتشهد بحُسن خُلقه وشهامته مع الكل بلا استثناء، وابنه للأسف تعب لموت والده، تعب جدا وكان لازم أقف معاه وقفة الصاحب الجدع اللي ممكن يضحي بنفسه عشان صاحبه..
ليلة طويلة في المستشفى عشان نخلص اجراءات خروج الجثمان، وبعدها توفير سيارة دفن الموتى، ومنها للبلد والمقابر وبعدها الدفن، وبعدها وقفة كبيرة مع صاحبي ومواساته لحد أخر نفس..
وفي النهاية صاحبي رجع البيت مع ابن عمه بعد الدفنة وقررت انا أرجع عشان الحق انام ساعتين من سهر الليلة دي عشان الحق العزاء من اوله وأقف جمب صاحب عمري..
مشيت في المقابر ناحية مكان الخروج بس لفت نظري قط شكله غريب اوي، قط اسود الفرو بتاعه متاكل وأنيابه بارزة وعمال يخدش بعنف وغضب على باب قبر صغير وكأنه عايز يفتحه بأي طريقة مهما كان، ولما وقفت اراقبه بتعجب بص ناحيتي بصة شيطانية خلت جسمي كله يرجف واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، بدأت ابعد خطوة بعد خطوة وانا سامع صوت خدشه وموائه الغضبان، مواء مُخيف، يقشعر الجسم كله..
في اللحظة دي كان ماشي جمبي عم سليم جارنا، سلمت عليه وسألته سؤال برئ
“هو مين اللي مدفون في القبر ده يا عم سليم”
بص ناحية القبر والقط الغضبان وقال برهبة واضحة في نبرات صوته
“ده قبر الكوري، حسن الكوري”
استغربت من الإسم لأني تقريبا معرفش صاحبه بحكم شغلي المستمر في محافظة تانية، بس تجاهلت الموضوع تماما وروحت عشان أنام..
بس عقلي الباطن مرحمش تعبي واشتغل عليا بكل جبروته وسطوته، وشوفت في نومي اني واقف قدام قبر حسن الكوري والجو كله ليل وظلام دامس..
بس المُرعب ان باب القبر كان مفتوح، ومن جوة القبر كانت فيه دوامة من الظلام الدامس، ظلام يخلي قلبك كله يرجف من الرهبة، ومن قلب ظلام القبر بدأ صوت غريب يوصلني، كأن فيه حد بيعض على حاجة أو بيمضغ حاجة، بدأت اقرب براسي لفتحة باب القبر عشان أشوف اي اللي بيحصل..
ومسافة ما دخلت راسي من فتحة القبر حسيت ان القبر كله بقا منور بضوء أحمر غريب،. بقيت شايف كل حاجة تقريبا. أو مش شايف غير المشهد ده، القط البشع قاعد بينهش في جثمان جوة وبياكل في لحمه حرفيَا، ووجه الجثة كان منفوخ وجاحظ بشكل يخلي قلبك يقف حرفيا من الفزع..
وقبل ما اتحرك من مكاني القط نط ناحيتي وخربش عنيا، ووقعت، وقعت في قلب القبر وصرخت بأعلى صوت..
صحيت وقتها لقيت نفسي واقع من على السرير، عرقان وقلبي بيدق بعنف، ريقي ناشف وهموت واشرب ولو كوباية مية، قمت من مكاني كانت الساعة ٧ المغرب، اتوضيت بسرعة وصليت العصر والمغرب وانا بستغفر ربنا على ذنب تجميع الصلوات ده ولبست عشان العزاء..
بس طول الطريق كان ذهني مشغول بالحلم، والقبر، والقط، وحسن الكوري، ذهني مشغول بطريقة تتعب وترهق، حاولت اوهم نفسي انه مجرد حلم عشان أعرف اتخطى التجربة الغريبة دي، وفي النهاية وصلت العزاء ووقفت جمب صاحبي لمدة تلت ساعات كاملين..
نظرات عنيه كانت كلها امتنان وتقدير ناحيتي، بس هو يستحق اعمل عشانه اكتر من كدا الف مرة، وعلى الساعة ١١ بالليل كان العزاء بيخلص واخر معزيين بينصرفوا، صاحبي أقسم عليا في النهاية أروح عشان ارتاح وكفاية عليا كدا..
وفي النهاية رضخت لقسمه وسلمت عليه وعلى قرايبه ومشيت، بس وانا ماشي كان مروح معايا عم سليم جارنا، اول ما لمحته تباطئت في مشيتي عشان اسلم عليه وادردش معاه من باب التسلية لحد باب البيت..
طبعا ده الظاهر، انما الخفي اني كنت عاوز أعرف منه حكاية حسن الكوري المدفون جوة القبر ده، بعد حديث قصير وبطريقة غير مباشرة قولتله:
– بس حلوة فكرة ابواب المقابر الحديد دي، لولا كدا كانت الكلاب والقطط نهشوا الجثث
– ايوة يابني ياما سمعنا عن حوادث من دي
– ده حتى انهاردة القط اللي شوفناه كان راسه والف سيف يفتح القبر
– ربنا يعافينا يابني
– انت قولتلي اللي مدفون اسمه.. اسمه.. اه اسمه حسن الكوري، ده مين ده ياعم سليم
بص ناحيتي بحزن غريب وسكت، حاولت اتظاهر بالامبالاة وقولتله:
– ما تحكيلي يا عم سليم حكايته يمكن اتعط منها
طال الصمت اكتر لدرجة اني اعتذرت وقولت:
– لو مش حابب انا اسف وخلاص ما تحك..
قاطعني بصرامة وقال:
– هحكيلك
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
حسن الكوري ده صاحب أشهر قهوة في قرية ال… وبرضه ممكن تعتبره أشهر بلطجي في المنطقة، الكل بيهابه وبيعمله الف الف حساب، راجل واخد الدنيا بصدره ومبيعملش اعتبار لأي حد مهما كان..
القهوة بتاعته كانت ملاذ آمن لكل الحشاشين والمدمنين وبتوع البرشام، بل وفتح نشاط في تجارة المخدرات على القهوة بتاعته، فجوره وصله انه يبيع البرشام المخدر عيني عينك في وضح النهار قدام الناس كلها..
وكان مشغل تحت ايده بنات في البغاء وأي حد يقدر يستأجر منه اللي هو عاوزه، ببساطة مثال حي لشخص مُفسد في الأرض، وكله كوم وخناقاته مع الناس كوم تاني، كان وحش كاسر، قادر يضرب خمس رجالة بدون ما حد يقدر يوقفه، لحد ما من فترة وصل بعض الدعاة للقرية دي واستقروا في مسجد من مساجد القرية..
وبدأوا دعوة الناس للصلاح والهداية كعادة المشايخ اللي بيخرجوا في سبيل الله، لحد ما بدأوا يحتكوا بالقهوة بتاعت حسن الكوري وينادوا الناس للصلاة والهداية، في البداية حسن مكنش معترض لأنه عارف انهم ضيوف على البلد وأيام وهيمشوا، بس لما بدأ يخسر زباينه اللي ما بين يوم وليلة بقوا بيتوبوا لله توبة نصوحة اتجنن، اتجنن وفضل مراقب الدعاة يوم بعد يوم..
لحد ما صلوا المغرب وخرجوا عشان يدعوا الناس من على القهوة كالعادة، وهو كان محضر فحم ملتهب مفروم بتاع الشيشة، ومسافة ما شافهم مقربين قام مولع على البودرة دي وحدفها بكل قوته عليهم..
المشايخ للأسف كانوا بيتنططوا مكانهم من العذاب، حصوات ملتهبة دخلت في هدومهم وعلى أجسامهم، وقتها الناس اتلموا وخدوا الدعاة بعيد بعد مشادات عنيفة..
بس العجيب ان تاني يوم رجعوا الدعاة يدعوا حسن نفسه، يفكروه بالله، ويطلبوا منه يطاوعهم، يقولوله نصا “اتقي الله” بس هو مكنش بيسمع نص كلمة، بل وهددهم بالقتل لو حد قرب منه بس، وليلتها اتصل ببنت من اللي شغالين معاه عشان يقضي معاها ليلة..
محدش عرف ايه اللي حصل اطلاقًا غير بعد فترة، بس اللي اتقال ان حسن ولأول مرة يحصله عجز جنسي، وقدام كسرته قدام البنت ومفعول المخدرات دبحها بدم بارد ونزل دفنها بالليل قدام شهود عيان شافوه بس محدش نطق بكلمة..
وزاد فجوره اكتر واكتر، لدرجة انه كان بيجرب مرة مسدس جديد وضرب بيه قطة في الشارع قتلها قدام كل الناس..
بس الوضع بدأ يتغير بسرعة، وحالته بدأت تسوء بطريقة غريبة، كان بيردد اسم شوق كتير اوي، شوق دي اللي قتلها من أيام، كان بيحكي انه بيشوفها بتنادي عليه كل شوية، وانه بيسمع صوتها في ودانه بتطلب منه القصاص..
وفي يوم وليلة اختفى حسن الكوري من المنطقة كلها، يوم، واتنين، وتلاتة، ومحدش كان عارف السبب اطلاقَا، مهو مش من عادته يختفي كدا اطلاقًا، لحد ما في ليلة خرج شاب من بناية قديمة مفزوع وبيقول انه سمع صرخات واحدة ست من الشقة اللي في الدور الأخيرة..
ببساطة كانت شقة من شقق حسن اللي مأجرها، الأهالي فتحوا باب الشقة وكان الهول في انتظارهم، جثة حسن مطعونة وبقالها ايام على الحال ده، منتفخة، بشعة، وريحتها لا تطاق اطلاقا..
بلغوا الشرطة اللي بعد تحريات وصلت للفاعلة، اخت البنت اللي قتلها وكانت شغالة في البغاء برضه، وقررت تنتقم لاختها في ليلة حمراء وقتلت حسن، حسن اللي اتدفن في قبر ورفضت الغالبية يصلوا عليه..
بس اللي حصل بعد موته كان الاسوأ، الشقة اللي اتقتل فيها كانت بتخرج منها صرخات كل فترة، كأن فيه حد بيتقتل فوق، لدرجة ان سكان البناية كلهم عزلوا بلا استثناء، قطط غريبة اتجمعت حولين قبره ونبشوه ونهشوا في الجثة وأكلوا اجزاء منها..
ولما الناس شافوا الوضع غيروا باب القبر الترابي لباب حديدي، بس ده ممنعش وجود قطط غريبة كل شوية بتحاول تنبش القبر، وممنعش خروج الصرخات من الشقة كل شوية، صرخات بدأت تتضح مع مرور الايام، صرخات ذكورية كانت بتقول
“النار هتحرقني، النار هتحرقني”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
كنت متأثر اوي بالحكاية وعنيا شبه بتدمع، وقتها بصلي عم سليم وقال:
 اوعى يابني تحتقر نصيحة بيقدمهالك شخص لوجه الله، اوعى تجادل فيها او تستهزأ بقائلها، النصيحة دي هدية من رب العالمين قدر انها تكون ليك، خودها بابتسامة واقبلها، ولو مش هتعمل ده متكرهش الناصح في نفسه باسلوبك وتفكره بذنوبه عشان يبطل ينصح..
اقبل هدية رب العالمين واياك تتكبر عليها وإلا هيقع عليك قول المولى عز وجل
“وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ”
وخود الكوري كعظة، الكوري اللي لو كان سمع للمشايخ يومها مكنش اتصل بشوق، ومكنش قتلها، ومكنتش حياته كلها اتدمرت وانتهت بالشكل ده، اوقات النصيحة اللي بتتكبر عنها بتكون اخر انذار من ربنا ليك، ولو مقبلتوش بتقع في الهاوية، فلا تحقرن من المعروف شيئا..
“وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content selection is disabled!!
%d مدونون معجبون بهذه: